سَتَدْخُلُ الْحِكْمَةُ إِلَى قَلْبِكَ، وَ تَكُونُ الْمَعْرِفَةُ مُرْضِيَةً لِنَفْسِكَ.

-2:10 الامثال

يوم السبت

يوم السبت المقدس يبدأ مع غروب شمس يوم الجمعة. نفس الأمر ينطبق على كل أعيادِ اليهود فهي تبدأ مع غروب شمس اليوم الذي يسبق العيد، وعندما يبدأ السبت يُقالُ باللغة العبرية بلهجة الحاخامات «قِدِّشْ هيّوم» يعني قُدِّسَ اليوم. (كتاب التوسفتا “باركات” ٥ : ٢)،  ومن قدّسه؟ قدّسه الخالق تعالى فالرب أمر بني إسرائيل في الوصايا العشرة حفظ يوم السبت والتوقف عن القيام بأي عمل: (الخروج ٢٠: ٨-١١ ترجمة التاج)

﴿اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدِّسْهُ لِتُقَدِّسَهُ، سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ صَنَائِعَكَ، وَالْيَوْمُ السَّابِعُ سَبْتٌ ِللهِ رَّبِّكَ، لاَ تَصْنَعْ شَيْئاً مِنْ <الصَّنَائِعِ> [الصَّنَاعَاتِ]، أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ، عَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهَائِمُكَ وَضَيْفُكَ اَلًّذِي فِي مُحَلِّكَ، لأنَّ اللهَ خَلَقَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَالْبِحَارَ وَجَمِيعَ مَا فِيهَا وأُرَاحَهَا فِي الْيَوْمِ الْسَّابِعِ. لِذٰلِكَ بَارَكَ اللهُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ.﴾ 

يتكرر وقوع يوم السبت أكثر من خمسين مرة في كل سنة وهو مقدس جداً لدى اليهود ويعتبر أكثر قداسة من كل الأعياد. (المِشنا “سبت” ١٦: ٣ وأيضاً من أقوال الحاخام رابا في التلمود البابلي “يوم طوب” ١٨ب) تهيأ وجبات الطعام ليوم السبت مسبقًا و يستحم الناس ويرتدون أفخر ثيابهم وأجملها كل هذا في يوم الجمعة حتى يكونوا مهيئين لاستقبال يوم السبت المقدس (من أقوال الحاخام حانينا في التلمود الأورشليمي “فيئا” ٢١أ). ولكن لا يحتاج الفقير أن يُنفِق من أجل السبت إلا حسب قدرته، كما قال حاخام عاقيبا: عامل سبتك كمثل بقية أيام الأسبوع كي لا تحتاج لأي مخلوق. (التلمود البابلي “سبت” ١١٨أ)

ويُشعل في البيت قنديل من الزيت (أو نور من الشمع) بالإضافة إلى الثريات والمصابيح الكهربائية قبل غروب شمس يوم الجمعة لأن بعد غروبها وبدأ السبت المقدس لا يجوز اشعال النار («كتاب التثنية» الحاخام موسى بن ميمون في بداية الفصل الخامس من شرائع السبت). إضافةً قام بعض الحاخامات بمنع الكهرباء يوم السبت.

كذلك يذهب الناس إلى الكنيس للصلاة و قِرائة سفر نشيد الأناشيد.  فقد أشار الحاخام عاقيبا في المِشنا (“يداييم” أو “يدان” ٣: ٥) بأن سفر نشيد الأناشيد وإن كان يشير إلى قصة حُب بين شاب وفتاة فهو أيضاً له معنى أعمق من ذلك وهو محبة الناس للمولى تعالى وتعلقهم به.  بالإضافة إلى قراءة المزامير إلى أن يطل الليل ثم يقرؤوا “شهادة التوحيد” ويصلّوا صلاة المساء.

بعدها يعودوا إلى بيوتهم ليتناولوا وجبة طعام دسمة ويدعى لها الضيوف. قبل تناول الطعام تتلى آيات من سفر التكوين (من أقوال الحاخام يشوع بن لاوي في التلمود البابلي “سبت” ١١٩ب) على كأس من النبيذ أو رغيفين من الخبز (من أقوال الحاخام إسحاق بن صموئيل بن مرثا عن الحاخام أبا أريخا في التلمود البابلي “فصح”  أو “فساحيم” ١٠٦ب)، وتُسمى هذه البركة «قِدُّوش هَيّوم» بالعبرية بمعنى أجعل اليوم مقدساً.  وهذه الآيات هي كما ترجَم الحاخام سعيد الفيومي في «كتاب التاج»:

﴿كُمِلَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَجُيُوشُهُمْ.  وَأكْمَلَ ٱللهُ فِي ٱليَوْمِ ٱلسَّابِعِ خَلْقَهُ اَلَّذِي صَنَعَ، وَعَطَّلَ فِيهِ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِن مَا خَلَقَهُ.  وَبَارَكَ ٱللهُ ٱليَوْمَ ٱلسَّابِعَ وَقَدَّسَهُ، إِذْ عَطَّلَ فِيهِ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنْ مِثْلِ خَلْقِهِ الَّذِي صَنَعَهُ﴾ (التكوين ٢: ١-٣)

ثم يبدأوا بتناول الطعام وينشدوا نشيد الأناشيد الخاص بيوم السبت ويتحدثوا عن وصايا التوراة وغيرها ويشكروا الرب عن رزقه.

قد قال الحاخام أبا البابلي ليضعوا رغيفين من الخبز على طاولة الطعام للتذكير بفضل الله ورزقه بعد الخروج من مصر في صحراء سيناء عندما انزل المنّ.  إن الله جل وعز أعطاهم في اليوم الجمعة كمية مضاعفة من المنّ تكفيهم ليومي السبت و الجمعة لأن المنّ لا ينزل يوم السبت (الخروج ١٧: ٢٢-٢٦).

إن يوم السبت تعود قدسيته إلى عهد بين الخالق تعالى وشعب إسرائيل كما قيل في سفر الخروج (٣١ :١٦-١٧ ترجمة كتاب الحياة):

﴿لِيَحْفَظْ بَنُو إِسْرَائِيلَ السَّبْتَ وَيَحْتَفِلُوا بِهِ فِي كُلِّ أَجْيَالِهِمْ عَهْداً أَبَدِيّاً هُوَ بَيْنِي وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلاَمَةُ عَهْدٍ إِلَى الأَبَدِ، لأَنَّهُ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، وَفِي الْيَوْمِ السَّابِعِ فَرَغَ مِنَ الْعَمَلِ وَاسْتَرَاحَ﴾

ينتهي يوم السبت المقدس مع أول ضهور لنجوم ليلة الأحد (وهكذا أيضا مع بقية الأعياد إذ تنتهي مع اطلالة أول نجمة في أخر يوم من ذلك العيد)، ويوجد لدى المتدينين طقس اسمه “هبدلا” بمعنى الفرق بين السبت وبقية الأيام. فيشربون فيه كأس من عصير العنب ويتعطروا برائحة جيدة وخاصة ماء الورد، وبعد ذلك يشعلوا قنديلاً، ويشكروا الخالق على استراحتهم.  

Leave a comment